
يشهد قطاع صناعة السيارات وتكنولوجيا التنقل المستدام في المنطقة العربية تحولات جذرية تعيد رسم ملامح المستقبل على الطرقات، حيث لم يعد التحول نحو المركبات الكهربائية مجرد خيار رفاهية بيئية، بل أصبح مساراً استراتيجياً تتبناه الدول الكبرى والناشئة على حد سواء.
وفي هذا السياق، كشفت أحدث التقارير العالمية المتخصصة في قطاع السيارات عن قفزات نوعية تسجلها أسواق المنطقة، مع تصدر دولة الإمارات العربية المتحدة للمشهد الخليجي في جاهزية البنية التحتية والمنظومة المتكاملة للتنقل الكهربائي، متسلحة برؤى طموحة واستثمارات ضخمة تعيد صياغة مفاهيم قطاع السيارات الإقليمي.
تأكيداً لمكانتها الرائدة كقطب استثماري واقتصادي وتكنولوجي في المنطقة، نجحت دولة الإمارات في انتزاع صدارة أسواق دول مجلس التعاون الخليجي في مؤشر الجاهزية العالمية للتنقل الكهربائي المسمى "GEMRIX 2026"، الصادر عن شركة الاستشارات العالمية البارزة "آرثر دي ليتل". وحققت الدولة إنجازاً متميزاً بحلولها في المرتبة الثانية والشرين عالمياً برصيد إجمالي بلغ 53 نقطة.
يعكس هذا المركز المتقدم ثمرة الجهود الحثيثة والسياسات الاستباقية التي تبنتها الحكومة لتهيئة البيئة التشريعية والتنظيمية الداعمة لقطاع السيارات النظيفة، مما جعل السوق الإماراتي الوجهة الأكثر جاذبية لكبرى الشركات العالمية والمحلية العاملة في مجال صناعة وتسويق المركبات الكهربائية والهجينة.
يُقدم تقرير "GEMRIX 2026" قراءة تحليلية عميقة لواقع صناعة السيارات الكهربائية عالمياً، موضحاً أن سر النجاح والسرعة في تبني هذه التكنولوجيا لم يعد مرتبطاً بمدى تطور المركبة في حد ذاتها فحسب، بل بات معتمداً بصورة أساسية على مدى تكامل المنظومة الداعمة للقطاع بأكمله.
تشمل هذه المنظومة عناصر حيوية متكاملة تتوزع بين البنية التحتية لمحطات الشحن، والسياسات الحكومية المحفزة، والأطر التنظيمية المرنة، والتكلفة الإجمالية لملكية السيارة.
هذا التكامل هو ما يفسر الفوارق والمسارات المتباينة لانتشار السيارات الكهربائية بين مختلف الأسواق العالمية، حيث تتسارع خطى النمو في بيئات حاضنة وتتباطأ في أخرى تعاني من فجوات هيكلية.
على الصعيد الدولي، يبرز التقرير تفوقاً ملحوظاً لكل من الصين والنرويج اللتين نجحتا في تجاوز المرحلة الحرجة، محققتين تكافؤاً كاملاً بين السيارات الكهربائية والمركبات التقليدية العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي.
فقد تصدرت الصين القائمة برصيد 106 نقاط، تلتها النرويج برصيد 103 نقاط، متجاوزتين حاجز الـ 100 نقطة الذي يعكس النضج التام للسوق، بينما جاءت سنغافورة وهولندا في المراتب اللاحقة.
في المقابل، تسير بقية الأسواق العالمية في مسارات متفارمة؛ فبينما ينمو السوق الأوروبي بوتيرة متسارعة، تسجل دول مثل تركيا، وتايلاند، وفيتنام، وإندونيسيا، والبرازيل تقدماً ملحوظاً باعتمادها على مزيج ذكي يجمع بين القدرة الشرائية المحلية، والسياسات الصناعية الواعدة، ودعم الشركات المصنعة محلياً.
علاوة على ذلك، تلعب المركبات الهجينة والقابلة للشحن ومركبات المدى الممتد دوراً مرحلياً حيوياً في تمهيد الطريق نحو التحول الجذري الكامل نحو البطاريات الخالصة.
أظهر التقرير أن القدرة التنافسية في صناعة السيارات اليوم باتت تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من تصميم هيكل السيارة أو كفاءة محركها.
وهنا تضرب الصين مثالاً يحتذى به في وضع المعايير العالمية الجديدة، عبر دمج عدة عناصر استراتيجية تشمل التطور التقني الفائق، والقدرات التصنيعية الهائلة واسعة النطاق، والتحكم المطلق في سلاسل إمداد البطاريات والمكونات الحيوية، فضلاً عن تقديم حلول برمجية متكاملة للمركبات، والتوسع الهائل في شبكات الشحن الذكية، وكفاءة منظومة الطاقة والحوافز التنظيمية.
وقد انعكس هذا التكامل جلياً في التوسع المتسارع للشركات الصينية داخل الأسواق الناشئة، مبرزة كيف يمكن لمرونة التكلفة وسرعة التنفيذ والتكامل التقني أن تزيح العلامات التجارية التقليدية العريقة عن صدارة المشهد.
بالعودة إلى السوق الإماراتي، تكشف لغة الأرقام عن طفرة حقيقية؛ إذ استحوذت المركبات الكهربائية على حصة بالغة الأهمية بلغت نحو 9% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة خلال عام 2025 وحده.
وشملت هذه النسبة ما بين 6% إلى 8% للمركبات الكهربائية العاملة بالبطاريات الخالصة، مقابل 2.5% للمركبات الهجينة القابلة للشحن.
بالتوازي مع ذلك، شهد قطاع البنية التحتية لتوليد الطاقة والشحن توسعاً استثنائياً، حيث قفز عدد نقاط الشحن المتاحة في الدولة إلى نحو 2,800 نقطة موزعة بذكاء، وتضمنت قرابة 1,250 نقطة شحن سريع بالتيار المستمر و350 وحدة شحن فائقة القدرة.
ولا تتوقف طموحات دولة الإمارات عند هذا الحد، بل تمتد لتخطط بعيداً عبر استراتيجيات وطنية مستدامة تستهدف رفع نسبة المركبات الكهربائية والهجينة لتشكل 50% من إجمالي المركبات على الطرقات بحلول عام 2050.
وعلى الصعيد المحلي، تضع إمارة دبي نصب عينيها هدفاً طموحاً يتمثل في رفع حصة السيارات الكهربائية في أسطولها الكلي لأكثر من 15% بحلول عام 2030، مما يعكس جدية والتزام الدولة التام بصياغة مستقبل نظيف ومستدام لقطاع النقل والسيارات.
يمثل تقرير مؤشر الجاهزية العالمية للتنقل الكهربائي لعام 2026 خارطة طريق واضحة المعالم لمستقبل قطاع صناعة السيارات إقليمياً وعالمياً.
ومع تصدر دولة الإمارات العربية المتحدة للمشهد الخليجي ودخولها بصلابة ضمن الخريطة العالمية للتنقل المستدام، يتأكد يومًا بعد يوم أن نجاح قطاع السيارات لم يعد محكوماً بالوقود التقليدي، بل بقدرة الدول والأسواق على بناء منظومات ذكية ومتكاملة تحتضن التكنولوجيا الحديثة، وتوفر البنية التحتية القوية، وتدعم الابتكار، وهو ما تجسده الإمارات بامتياز في طريقها نحو مستقبل أسرع نظافة وأكثر استدامة.